Skip to content Skip to main navigation Skip to footer

صالح الشواف: ديوانيتنا تستقبل ليلا الأهل والأصدقاء

  • 19 مايو، 2026


المصدر: جريدة القبس
صالح الشواف: ديوانيتنا تستقبل ليلا الأهل والأصدقاء
أجرى الحوار: جاسم عباس
الرعيل الاول في الكويت تخضرموا فترتي ما قبل النفط وما بعده، فقاسوا مر الاثنتين وذاقوا حلاوتهما، عملوا وجاهدوا وتدرجوا، رجالا ونساء، الى ان حققوا الطموح او بعضا منه، ومهما اختلفت مهنهم وظروفهم، فإن قاسما مشتركا يجمعهم هو الحنين الى الايام الخوالي. ‘القبس’ شاركت عددا من هؤلاء الافاضل والفاضلات في هذه الاستكانة الرمضانية.
في مستهل لقائنا مع السيد صالح احمد محمد علي الشواف قال انه من مواليد الكويت عام 1935، والده سكن الكويت عام 1305ه واضاف:
نحن في الاصل من منطقة الاحساء قرية الهفوف، فريجنا يسمى ‘الفوارس’ سمي باسم جدنا الكبير فارس الشواف الذي كان يسكن ويملك بيوتا من عام 1186ه، ولا اعرف لماذا سمينا بالشواف، ويسمى حينا ‘بالرفعة’.
وقال: كان والدي خياطا للبشوت اي عباءة الرجل، ويعتبر من مكملات هندام الرجل، عمل في هذه المهنة ولله الحمد وبفضله الكريم توسع واشترى بيتا في الحي الشرقي من الكويت، وبالقرب من المطبة.
وقال الشواف: فتح والدي ديوانية معزولة عن البيت عام 1333ه ولدينا وثيقة لهذا البيت، وتتم فيها خياطة البشوت، ويعمل فيها تقريبا 20 خياطا، وهم الذين يساعدون الوالد، وفي الليل تتحول الى ديوانية لاستقبال الأهل والاصدقاء، يتداولون فيها شؤون الحياة من معيشية او تجارية او سياسية او أدبية وفكرية.
سوق البشوت

وتحدث عن السوق الذي افتتحه ناصر البدر وسمي بسوق البدر او قيصرية البدر، الذي بني في عهد الشيخ مبارك الصباح قائلا: فتح والدي محلا له لبيع البشوت، وكان السوق نشطا في تجارة اللؤلؤة والسجاد والعطور بالاضافة الى البشوت، وموقع هذا السوق كان بالقرب من سوق المناخ، وفي عام 1939 انتقل تجار البشوت الى قيصرية الشيخ فهد السالم الصباح، وعرف بسوق البشوت بين سوق الغربللي وساحة الصفاة، ومن اشهر اصحاب محلات البشوت والمهن حسن البغلي، وابراهيم البغلي، وابراهيم العبدالله، وابراهيم بوحمد، وعبدالله الامير، واحمد الفويرس.
وقال الشواف: كان والدي يستورد الغزل (خيوط من الصوف او القطن) الذي يصنع منه البشت ويسمى الدرج، وهو قماش من الوبر او الصوف ويشتري الخيط من بغداد، ويعطي الحاكة الذين ينسجون القماش في ديواننا من الآلة اليدوية، وكان القماش الصيفي يستورد من ‘الدورك- خرج- بهبهان’ في إيران وعمل اخيرا في تجارة المواد الغذائية المستوردة من البصرة، والمحمرة، وعبدان، وفتح محلا في البحرين جعل ولديه ‘عباس وعلي’ يديران محل البحرين.
سنة البطاقة؟

وتحدث عن نظام جرى في الكويت من عام 1941 حتى 1947 لتوزيع المواد الغذائية على الاهالي بسبب قيام الحرب العالمية الثانية، لاعاشة الناس اثناء الحرب.
قال: والدي احمد الشواف كان يشهد ويوقع على النماذج شهادة منه للناس الذين يسكنون في الشرق، وخاصة في ‘محلة الشواف’ لكي يحصلوا على التموين من الرز والسكر والقمح والطحين، وعلى الرغم من الحرب وضراوتها واستمرارها سنوات طويلة، فإن المسؤولين في تلك الفترة خططوا ووضعوا هذا النظام التمويني حتى لا تمر الديرة بأزمة غذائية أو غيرها.
وقال الشواف: ان الشيخ أحمد الجابر الصباح الذي تولى الحكم من مارس 1921 حتى نهاية يناير 1950 يفكر ويخطط دائما لتوفير المواد، فأرسل سفنا الى البصرة والمحمرة وعبدان، والهند، وباكستان لنقل كل المستلزمات الضرورية للكويتيين، وكانت البطاقة التموينية عبارة عن ورقة تحمل بيانات خاصة عن كل أسرة مع توقيع الشاهد عليها.
الدراسة عند الملالي

وتحدث عن الدراسة عند الملالي (الملا) كنا نجهز أنفسنا باللوح لنكتب عليه حروف الهجاء بالأبيض وكان الملا يتلو علينا الآية كلمة كلمة، ونحن نعيدها، وكان قديما يعتمد كل ‘ملا في رزقه’ على رسوم يدفعها الصبي اما بالدخول ويسمى ‘الدخالة’ أو الدفع كل خميس، وكان يحصل أيضا بالمناسبات منها: النافلة والعيدية، والفطرة.
وقال: أنا تعلمت عند الملا عبدالله بو بلال الذي كان يدرسنا الحساب، والخط، والقرآن الكريم، وكان رحمه الله مشهورا بقراءة المالد (حفلة من الموالد النبوية) ترد فيها الأدعية والتواشيح.
فكان معلما متطورا ومبدعا، ووضع نواة لنظام الكشافة، انتقل الى جوار ربه عام 1955 عن عمر يناهز مائة عام، ثم درست في المدرسة الجعفرية بالقرب من مسجد الخليفة الذي أسسه الشيخ خليفة بن دعيج الخليفة من شيوخ البحرين 1811م وجدد بناءه الشيخ مبارك الصباح 1901 ويقع على شارع الخليج العربي وجددته وزارة الأوقاف عام 1950، وبالقرب من فريج القناعات، شرق بناية البورصة، والجعفرية عبارة عن بيت ملك لآل معرفي، وناظرها المرحوم السيد محمد حسن الموسوي، كان ناجحا فيه صفات الشدة الى جانب الرقة واللين، وكان رحمه الله يشاركنا في الاحتفالات ويزور المرضى من الطلبة، ويقسو على المشاغبين، توفي رحمه الله عام 1995، وأنا لم أدرس في المدارس الحكومية النظامية، لأني كلفت من قبل والدي ادارة محاسباته التجارية، فلذلك درست ‘مسك الدفاتر’ أي المحاسبة عند عبدالله سنان كان مربيا وشاعرا ومحاسبا من الطراز الأول، والمدرسة كانت في بيت عربي مؤجر بالقرب من المستشفى الأميركاني.
الأعمال التجارية

وقال الشواف عن عمله: بعد وفاة والدي في 14 شعبان 1351ه الموافق عام 1950، وبعد تثمين بيوتنا العشرة اي قدرت الحكومة البيوت بغية استملاكها لمشاريع الدولة استلمنا ثمنها، اجتمعنا نحن الاخوان وبدأنا التجارة، وبخبرة الأخوين عباس وعلي في البحرين في محل الوالد للمواد الغذائية ودراسة عبدالرسول أكبر مني سنا عند المعلم ‘إسرائيل’ اللغة الإنكليزية، وبخبرتي بالمحاسبة وبمساعدة بقية الإخوان بدأت المراسلات تنمو وتكبر مع الهند وأوروبا حتى حصلنا على وكالة سيارات ‘نيسان’ عام ،1958 و’برنس’ ووكالة سيارات ‘الشل’ و’مارجيريوس’ ومع نمو الكويت وانفتاحها على العالم بدأت العقود توقع وإلى الآن لدينا وكالات صينية.
فكانت الدولة تساعد التجار في تلك الفترة التي نهضت فيها التجارة فلم ترفع نسبة الجمرك أكثر من 4% كما كانت في عهد الشيخ سالم بن مبارك الصباح عدا الفواكه والتمر والعلف الحيواني.
الطب الكويتي

وعن العلاج في الكويت قديما فقد كان متطورا، وفي المرتبة الأولى بالنسبة للمنطقة، المعالج كان متطهرا ويعتني بنفسه عناية فائقة، ويهتم بصحة ابدان الآخرين، وكان دائما يقول ويردد ‘لكل داء دواء’ بلد وجدت بها الطاعون والجدري، والسل، والكوليرا، والانفلونزا، ولم يعرف الكويتيون الطب الحديث، ولكن بالبركة، والنفس الطيبة ظهر منهم أطباء، فإذا نفع أحدهم الحمد لله، وإذا فشل بالعلاج فالصبر والاحتساب، من الذين كانوا يعالجون بعضهم أئمة المساجد، وأصحاب المدارس القديمة ‘الملا – المطوع’، وبعضهم اشتهروا بالرقية (قراءة القرآن على المريض)، وهناك الحلاقون الذين اشتهروا بالختان والحجامة وقلع الأسنان، ومنهم من مارس تجبير الكسور، وعلاج الجروح والكي، ولا ننسى العطارين الذين كانوا يركبون الأدوية من الأعشاء والنباتات كنا نسميهم ‘الحواج’ وللتاريخ وحفظ تراثهم كان منهم: ملا ياسين – عبدالله الباذر المجبر المشهور – سيد حسين الموسوي، ومحمد علي الفيلي الذي كان يقرأ على المرضى ويشفون بإذن ربهم.
وقال الشواف: كما سمعت من الآباء هناك من اشتهر بالتطبيب: أحمد الغانم. عبدالرحمن المنيفي. محمد العرادي. الشيخ مساعد العازمي، وأحمد الهندي، حمود الصانع، علي الفضالة، إبراهيم الغريب، وعبدالله الماحي، وعرفنا الإرسالية الأميركية، ولا ننسى الدكتور يحيى الحديدي مع بعض الأطباء الذين كانوا يذهبون الى البواخر في وسط البحر لفحص البحارة قبل نزولهم والتأكد من خلوهم من الأمراض.
ومن الأمراض السهلة التي تعالج في الحال ولا داعي للمراجعة ‘أبو عدوين’ الذي كان يصيب السر ويؤلم الأمعاء، وهو من أمراض الريح، والآن يسمى ‘الدودة الزائدة’، ومرضى الصفري’ يصاب مع بداية فصل الخريف الذي يكثر فيه الذباب، أما امراض اللوزتين فتعالج بوضع الأصبع داخل البلعوم ودفع اللوزتين، سميت بالغماز ‘اصكاط’، والصداع بالحجامة، وأوجاع الجسم تعالج بالكي، وكذلك الجروح، ولدغة الحيات تعالج بربط الطرف الملدوغ واخراج الدم من موضع اللدغة، كل هذه العلاجات كانت بالمجان وحتى الدواء بلا مقابل، لا يرجون الا الدعاء.
وختم حديثه عن المرأة فقال: المرأة التي تدخن السيجارة او الشيشة في مكان عام ‘تبرج بعينه وعلمه’ انها عادة سيئة جدا نشاهدها هذه الأيام.

الماضي… الحاضر

عن الجيل الماضي كان الواحد منهم رجل ‘كادود’ أي عامل يكد كل يوم، وكان الكبار يقولون فلان كادود، والكويتيون كانوا يحترمون الشاب الكداد، وهناك مثل: ‘كد بيزة وحاسب البطال’ والبيزة هي جزء من 64 جزءا من الروبية وهي تعادل (ناية بيزة) يعني هذا المثل عود ولا القعود، يضرب في ذم الكسل والقعود دون عمل، وكان الشاب يكد في سبيل والده ووالدته وإخوته، وخاصة اذا سافر رب الأسرة لأشهر طويلة يقوم هو بشؤون الأسرة، اما اليوم فعملهم التعليم المتطور وللأسف لا يقرأ كما كان من قبله، قديما كان من المرحلة الابتدائية يجيد القراءة والكتابة، وكان هو الحداد مع والده والصائغ والنجار والقلاف، اما الآن فيولد وفي فمه ملعقة من الذهب.
وعن اعضاء مجلس الأمة قال: السابقون قاموا بدورهم ووضعوا أسس القوانين، والحاليون يقومون بدور رقابي وارشادي، ويلاحظون النقاط الكبيرة والصغيرة، وأنا مع الاستجوابات لتصحيح الأمور، لأن بعض الوزراء عندهم تجاوزات، وهذا دور مجلس الأمة، والصحف التي تؤدي دورها كسلطة رابعة عليها الاعتماد ولها دور مشرف، ومحطاتنا الفضائية والأرضية متأخرة عن البقية، وانا من مشاهديها مع العربية والحرة، والإعلام المحيط بنا سبقنا، ونحتاج الى تطور، وآخرون لهم قوة وإرادة، علما اننا كنا السباقين.
فأول بنك في الخليج العربي ‘كويتي’ وأول شركة ناقلات للنفط عندنا، وأول خطوط للطيران عندنا، وكل الدول سبقتنا، وحتى صدام الكذاب كان يقول: أنا بوابة الخليج، وانا اقول: بوابة الشرق والغرب ‘دبي’ مطارها يستقبل اكثر من 100 شركة طيران، وخدمة للركاب لا تجدها في العالم الا عند القلائل، مطار يقدم الوجبات الطازجة لكل الشعوب حسب أكلاتهم المشهورة، وفي السنة يستقبل 25 مليون راكب، الله يرزقهم أكثر وأكثر لأن إرادتهم قوية.

حفرة الشواف

عن سنة الهدامة التي هدمت فيها البيوت وشردت الأهالي بسبب هطول الأمطار الغزيرة في عام 1934، قال: الأمطار السايلة من جهة القبلة المرتفعة الى الشرق المنخفضة هدمت وأغرقت أغلب الأحياء المشهورة في هذه السنة، قام والدي رحمه الله بشراء أرض بعد الهدامة فوقفها لتجمع فيها مياه الأمطار كي لا تسيل على البيوت، حفرها والدي واتخذ منها الطين لبناء البيوت القديمة، وردمت مع الحفر الموجودة بعد تطور البناء في المدينة ومد المجاري منها: حفرة المحميد، وحفرة أدريس، وطبيخ، والروضان، والرشيد، وإفريح وأدغيم.

صيد الطيور هوايتي

عن هوايات الشباب في القديم التي لا تخرج عن الأحياء، وعن مبتكراتهم تاركا الأثر والسيرة المحمودة والعلاقة الطيبة مع من كان في جيلي إلى الآن والتنافس كان شعاره المحبة والألفة والتعاون واللهو البريء، وهوايتي المحببة ‘الحبال’ صيد الطيور في فصل الربيع ولمدة ثلاثة شهور (مارس، أبريل، مايو)، واستخدمت جميع أدوات الصيد وهي: الفخ – الصلابة – السالية – النباطة – الشبك الصغير (المشرع)، والمهم هنا انني لم أوفق بصيد أي طير فتركت هذه الهواية، وبعد الزواج والمسؤولية وتربية الأولاد كنت أقضي أكثر وقت الفراغ داخل البيت مع أسرتي، وبين كتب الأدب والشعر، وعشقت أبيات أحمد شوقي أميرالشعراء ومن أشهر شعراء مصر، وشاعر النيل حافظ إبراهيم، وأحمد رامي، أشعار حفظتها ومازلت أرددها وأسمعها.
وقال: الهوايات القديمة تعطي الهاوي الدرس والتحصيل خارج نطاق المدرسة، وتخلق فيه الدقة والجهد المتواصل ونموا للعقل، والاعتماد على النفس، ما أروع الذكريات الجميلة وأصوات الأطفال تنبعث من سكتنا وبراحتنا.